ميرزا محمد حسن الآشتياني

128

بحر الفوائد في شرح الفرائد ( ط مكتبة المرعشي )

الجواز حاكيا له عن غيره مع أنه على تقدير تسليم ظهور كلماتهم في الجواز لا بد من صرفها عن ظاهرها بحكم العقل القاطع بقبح الإذن في المعصية على الشارع فتدبّر ومنه يظهر أن ظهور الأخبار على تقدير تسليم دلالتها على حكم المقام لا يجدي أيضا في مقابل العقل المستقل فلا بد من صرفها أيضا نعم على تقدير القطع بالجواز من جهة الإجماع لا بد من التصرّف في الموضوع وجعل الجهل في المسألة مانعا من أصل تعلّق الخطاب لاستحالة حكم الشرع على خلاف ما يحكم به العقل القاطع كما هو ظاهر لكنّه تقدير في تقدير ليس واقعا عندنا ومما ذكرنا كلّه يظهر أنه على تقدير التمسّك في حكم المسألة بنقل الإجماع أيضا لم يجز الحكم من جهته بجواز المخالفة القطعيّة أيضا هذا ( وأمّا ) الوجه الثاني وهو عموم ما نفى الحكم الحرجي في الشريعة فلا إشكال في عدم دلالته على جواز ارتكاب الكلّ لاندفاع الحرج بتجويز ارتكاب ما عدا مقدار الحرام وليس في تحديده حرج قطعا حتى يقال بنفيه كما كان يلزم في تحديد وجوب الاجتناب بالحرج على ما عرفته من كلام بعض أفاضل من تأخّر حيث جعله دليلا على عدم وجوب الاحتياط من أوّل الأمر وبالجملة لا إشكال في عدم اقتضاء هذا الوجه أصلا سواء جعل المدار على الحرج الشخصي أو الغالبي بل لو قيل بأن مقتضاه رفع اليد عن الاحتياط بقدر ما يندفع به الحرج فيعمل في الباقي بمقتضى القاعدة العقليّة فالنتيجة بملاحظتهما التبعيض في الاحتياط لا مجرّد ترك مقدار الحرام كان حسنا بل متعيّنا على ما عرفته في نتيجة مقدّمات الانسداد إلّا أنّ الظاهر عدم التزام أحد بذلك في المقام فتدبّر ( وأمّا ) الوجه الثالث فلا إشكال في اقتضائه جواز ارتكاب الكلّ إلا أنّ بقاءه على هذا الظهور ينافي حكم العقل المستقل فلا بد من صرفه إلى ما لا ينافيه اللهمّ إلّا أن يقال بأن حمل الأخبار على إرادة غير مقدار الحرام غير ممكن فلا بد من الالتزام بحملها على الشبهة المجرّدة وهو خلف لأن الكلام في مقتضى الوجوه على تقدير تماميّتها فتأمل ( وأمّا ) الوجه الرابع فالظاهر من قوله عليه السلام من أجل مكان واحد وإن كان هو نفي وجوب الاحتياط عن جميع الأطراف فلا يقتضي الحكم بجواز ارتكاب الكلّ إلّا أنّ مقتضى قوله عليه السلام فما علمت منه الحديث من حيث ظهوره في إناطة الحكم منعا وترخيصا بالعلم التفصيلي بالحرام هو الجواز اللّهمّ إلا أن يصرف عن هذا الظهور بملاحظة حكم العقل كما صرف عنه غيره بهذا الصارف العقلي ( وأمّا ) الوجه الخامس فمقتضاه جواز ارتكاب الكلّ بناء على ما عرفت في تقريبه أخيرا وأما بناء على ما أفاده شيخنا في تقريبه فيمكن الحكم بعدم الجواز نظرا إلى أن مبناه على عدم الاعتناء باحتمال الضرر الموهوم وأمّا القطع بالضرر اللازم من ارتكاب الكلّ فالعقل مستقلّ بعدم جواز الإقدام عليه وهذا وإن كان مبنيّا على أصل فاسد عندنا من التفكيك عند العقل بين الموافقة القطعيّة والمخالفة القطعيّة بحسب الحكم إلا أنه بناء عليه يستقيم الحكم بعدم جواز ارتكاب الكلّ كما هو ظاهر وتحرير مقتضى الوجه بما عرفت أولى ممّا حرّر به في الكتاب لأنه حكم بأن مقتضاه جواز ارتكاب الكل بشرط عدم العزم عليه من أوّل الأمر وإلا كان عاصيا بمصادفة الحرام وإن لم يرتكب الكلّ وأكّده بقوله فالأقوى في المسألة إلى آخره وإن كان ظاهره الحكم بالمنع مع القصد مطلقا فيكون فرقه مع قوله بعد ذلك والتحقيق عدم جواز ارتكاب الكل إلى آخره كونه مسوقا لبيان حكم صورة القصد وقوله الأخير مسوقا لبيان حكم أصل ارتكاب الكلّ لذاته أو مقدّمة حيث إنه جعل العقاب في الأول تابعا لمصارفة الحرام وفي الثاني حكم به بمجرّد الارتكاب مبنيّا على ملاحظة التجري في الثاني دون الأول لا أن التجري لا يتحقّق في الأوّل حتى يتوجّه عليه سؤال الفرق كما عرفت الإشارة إليه لكنه مع ذلك ليس على ما ينبغي لأنه ليس للعزم تأثير في المسألة أصلا اللّهمّ إلا أن يقال إن القدر المتيقّن من كلامهم صورة عدم القصد فيبقى صورة القصد تحت قاعدة العلم الإجمالي فارتكاب بعض الأطراف مع قصد ارتكاب الكلّ من أوّل الأمر مثل ارتكاب بعض أطراف الشبهة المحصورة فيعاقب مع المصادفة للحرام لا مطلقا إلّا على القول بحرمة التجرّي مطلقا فيعاقب مطلقا لكنّه كما ترى لا يساعده كلماتهم في المقام فراجع هذا ( وأمّا ) الوجه السّادس فلا إشكال في اقتضائه جواز ارتكاب الكلّ لكن قد عرفت خروج مقتضاه عن محلّ البحث ولعلّه لذا لم يتعرّض لحكمه في الكتاب فتدبّر هذا حاصل ما يقتضيه الوجوه المذكورة وقد عرفت ما يلزم سلوكه عندنا في حكم المقام ووجهه وإن كان ما ذكر له في الكتاب من الوجه في طيّ التحقيق لا يخلو عن إجمال في تأدية المرام وقد تقدّم نظيره في بيان حكم الشبهة المحصورة [ في أن بيان ضابط المحصور وغيره يتوقف على تقديم أمور ] ( قوله ) قدس سره الثاني اختلف عبارات الأصحاب في بيان ضابط المحصورة وغيره إلى آخره ( 1 ) ( أقول ) توضيح القول في المقام بحيث يرفع الحجاب عن وجه المرام يتوقف على تقديم أمور ( الأوّل ) لا إشكال في أن بحث الفقيه عن معنى اللفظ إنما هو إذا وقع موضوعا للحكم الشرعي في الكتاب والسنّة أو معقد الإجماع أهل الحل والعقد بحيث علم كون مورده معنى اللفظ وإلا فالفقيه من هو فقيه لا يتعلق له غرض بالبحث عن معنى اللفظ من حيث هو نعم قد يبحث عن معنى اللفظ مع عدم تعلّق الحكم الشرعي الكلّي به فيما وقع موردا للأحكام الجزئيّة في باب العقود والأقارير والوصايا لكنه خارج عن فنّه ولا يكون تشخيصه حجّة في حق غيره إلا من باب الشهادة أو الحكم والقضاء فيما إذا فرض محلّ النزاع والترافع إلى من عين المراد من محلّ الخصومة ومن هذا الباب عنوانهم لمعاني كثير من الألفاظ في باب الوقف والوصية والإقرار وغيرها ( الثّاني ) أن الرجوع إلى العرف فيما لم يعلم مراد الشارع إنّما هو في تشخيص الوضع العرفي أو اللغوي بضميمة أصالة عدم النقل وأمّا الرجوع إليهم في تشخيص مصداق معنى اللفظ المبيّن مفهوما فلا تعلّق له بما هو المسلّم المفروغ عنه عندهم من حجيّة فهم العرف في باب الألفاظ نعم قد يرجع إليهم في ذلك إذا اجتمع فيهم شروط الشهادة مثلا إذا شكّ في معنى الكلب وأنه الأعمّ من البحري فيرجع في ذلك إلى العرف وأمّا إذا شكّ في موجود خارجي أنه كلب بريّ أو بحريّ بعد تعيين معنى الكلب وأنّه البري ليس إلّا مع تبيّن مفهوم البريّ أيضا فلا معنى للرجوع إلى حكم العرف إلا مع الشرط المذكور أو حصول القطع من شهادتهم وهكذا الأمر في غير المثال المذكور وهذا مع وضوحه قد تبيّن مستقصى في